التكنولوجيا والإنسان.. من يتحكم بالآخر؟

لم تعد المنتجات الإلكترونية الحديثة مجرد أدوات أو ملحقات ثانوية من حياتنا، بل أصبحت الأساس المعتمد عليه في تحديد خطتنا اليومية، بدءًا من ضبط ساعة المنبه وحتى إتمام الأعمال وصياغة الأخبار العالمية بأقل وقت وجهد ممكن.

ولا شك أن التقدم الملحوظ في المزايا التقنية للأجهزة الإلكترونية ساعد على منح العالم أفضل مستوى من الخدمات الإلكترونية التي لا غنى عنها في أي مجال، والسبب يعود لارتباط هذه التكنولوجيا الحديثة بأصغر الإنجازات اليومية في حياة الفرد.

مؤخرًا أصدرت جارتنر مؤسسة الدراسات والأبحاث التقنية العالمية في مدينة ستامبفورد الأمريكية، تقريرًا سنويًا يعرض تنبؤات مستقبلية عن زيادة أعداد أجهزة التواصل الإلكترونية الحديثة، إذ تشير الدراسات أن عدد الأجهزة الذكية المستخدمة والمتصلة بشبكة الإنترنت قد يصل إلى ما يقارب 8.4 مليار في عام 2017، و20.4 مليار جهاز مستخدم في عام 2020.

لا شك أن هذا الارتفاع الواضح في معدلات الاستخدام يعتبر عاملًا محوريًا في تغيير معالم حياتنا، ليس فقط على العالم المادي الملموس، بل على طريقة تشكيل تفكيرنا وإدراكنا المعرفي والحسي للقضايا مختلفة، وذلك نتيجة للتقدم التكنولوجي الذي يعد تحديًا، لأن مسألة قبول أو رفض هذه التقنية لم تعد خيارًا متاحًا، بل أصبح مسألة وعي اجتماعي.

من أجل فهم تأثير التطور التكنولوجي على تصوراتنا الفكرية وسلوكنا، يجب معرفة نظرية بروفيسور علم الاجتماع والاتصال مارشال ماكلوهان.

الذاكرة الذهنية

كان الإنسان في عصر ما قبل التعلم والكتابة والتكنولوجيا يعيش في عصر الأشياء الكثيرة والوسائل القليلة، وكان يدرك الأشياء غالبًا بواسطته سمعه، ويملك ذاكرة قوية لكن في حدود الصوت والصور الذهنية وكان الناس يصدقون المعلومات التي يحصلوا عليها من الآخرين دون التأكد من مصادر أخرى لعدم توفرها، إذ كان يعتمد الناس على آذانهم للإيمان بالحقائق، وهذا ما جعلهم أفرادًا عاطفيين يتأثرون بالكلمة المنطوقة المصحوبة بتنغيم أو نبرة صوتية معينة تختلف باختلاف المعلومة أو الخبر المنقول، لكن بعد اختراع الكتابة والتكنولوجيا أصبح الإنسان أكثر حيادية لاستخدامه موضوعية العين المجردة وأصبح يوثق ماضيه وذكرياته على هيئة كتابات أو أشعار أو صور ومقاطع فيديو.

ساعدت التقنيات الحديثة على تصوير خيال الإنسان وإعادة التوازن الصحي للحواس وجعله فردًا اجتماعيًا داخل “الدوائر الإلكترونية” كما أسماها ماكلوهان، وذلك لأنها تعمل على توسيع وتقليد عمل العقل البشري وإدماجه في النظم الاجتماعية حتى لو كانت الإلكترونية فقط.

طبقًا لـ”نظرية ماكلوهان”

يرى ماكلوهان أن الاختراعات التكنولوجية لها تأثير واضح على حياتنا والوسائل التي يستخدمها المجتمع أو يضطر لاستخدامها تحدد طبيعته وكيفية معالجته لمشاكله وتشكل الظروف التي تؤثرعلى نظرته للأمور والأسلوب الذي يفكر به الناس، وطبيعة الوسائل المستخدمة في كل مرحلة من المراحل تساعد على تشكيل المجتمع أكثر مما يساعد مضمون تلك الرسائل على تشكيله.

كما يضيف أنه عند التوصل إلى اختراع تكنولوجي جديد، يستقبل المجتمع هذا النوع من التطور بنوع من الغرابة والدهشة، حتى يبدأ الفرد بالتعلم والتمرن على هذه الوسيلة ومن ثم بعد أن يصبح التعامل مع هذه الآلة عادة يومية تصبح ظاهرة اعتيادية ومنخرطة ضمن عادات المجتمع وجزءًا من تركيبه وتنميته، مثال على هذا، الأطفال الذين بدأوا استخدام الإلكترونيات الحديثة منذ سن صغيرة وتعلموا اللعب أو الرسم أو الاستماع من خلالها، لا يمكن لهم أن يتخيلوا العالم من دونها لأن حياتهم تشكلت على هذا الأساس من التطور التكنولوجي ولم يشهدوا غير ذلك.

هذا ويعتقد ماكلوهان أن وسائل الاتصال الجديدة امتداد لحواس الفرد وتطور أساسي في حياته وذلك لأنه يمكن أن يصل إلى أي شكل من المعلومات أو الخدمات التي يريد، لكن التهديد يكمن عندما تمد يد المجتمع إليه كي تستغله وتسيطر عليه من خلال المعرفة التي شكلتها البيئة المحيطة به.

يقول ماكلوهان “الوسيط يغيرنا ويؤثر على البنية الفردية والاجتماعية، لأننا نتفاعل معه مرارًا وتكرارًا حتى يصبح جزءًا من أنفسنا، فنحن اليوم لا نستطيع تخيل حياتنا بلا الهواتف الذكية والإنترنت، لأن كل وسيط يدفعنا لاستخدام حواس معينة ليخلق عادة نداوم على ممارستها، إن الانخراط بشكل يومي في أحد الوسائط يومًا بعد يوم يحفز إحدى الحواس لدينا لاستخدامها أكثر من غيرها، فالوسيط السمعي كالأغاني مثلاً يحفز حاسة السمع أكثر من حاسة النظر إذا تم استخدامها بشكل أكبر، تمامًا مثل الضرير حيث تصبح حاسة السمع متفوقة بشكل ملحوظ، وعلى الصعيد الاجتماعي فالمجتمع يصاغ بحسب الوسيط الأكثر انتشارًا بين أفراده”.

يتابع ماكلوهان أن الاكتشافات التكنولوجية لها علاقة وثيقة بالتغيرات الاجتماعية التي تحدث في المجتمع ليس فقط التحولات المادية الكبرى بل الأحاسيس الإنسانية أيضًا، إذ يعتقد أن الوسائل الإلكترونية ساعدت على انكماش الكرة الأرضية من حيث الزمان والمكان وسميت بالقرية العالمية والتي سميت لاحقًا بـ”عصر القلق” لأن ثورة الاتصال الإلكتروني أجبرت الأفراد على الانغماس بهذا العالم والالتزام بالمشاركة به.

لكن هذه النظرية تعرضت للانتقاد من قبل ريتشارد بلاك الذي رأى أن هذه القرية العالمية ليس لها وجود وأن التطور التقني حول العالم عبارة عن بناء ضخم يضم عشرات الشقق السكنية التي يقيم فيها أناس كثيرون ولكن كل فرد منهم يعيش في عزلة وفي عالم خاص به ولا يعرف شيئًا عن أحوال الآخرين من حوله.

عرض ماكلوهان زاويا مختلفة عن التأثير المحوري للتطورات التكنولوجية على الإدراك المعرفي للإنسان وتطور سلوكه بالتزامن مع هذه التقنيات الجديدة وحاول تسليط الضوء على قاعدته التي تقول إن الوسيلة أهم من الرسالة ومضمونها، لأن الوسيلة المستخدمة في نقل المعلومة هي من تعمل على تغيير وتكوين ظروف جديدة.

نون بوست 


'التكنولوجيا والإنسان.. من يتحكم بالآخر؟' has no comments

Be the first to comment this post!

Would you like to share your thoughts?

Your email address will not be published.

Bousla News by bousla