يوم تربّع ستالين في قصر عابدين

يوم تربّع ستالين في قصر عابدين

- ‎فيالتغطية الإخبارية
128

جعفر البكلي

نظر السادات إلى الضيوف ثم خاطبهم بصوت حازم: إنتو عارفين أنا مين؟

توقفت سيارة فارهة أمام البوابة الضخمة لمدخل قصر عابدين، المقر الرسمي لرئيس جمهورية مصر العربية، وسارع كبير موظفي البروتوكول نحوها ليستقبل الضيوف المهمين الذين كانوا على متنها. هبط من السيارة رجل ستيني وقور، ممتلئ الجسم، كثيف الحاجبين، يلبس بدلة عسكرية أنيقة مزدانة بمجموعة من النياشين والأوسمة، وتلمع فوق كتفيه نجمة ذهبية اللون بجانب شعار الاتحاد السوفياتي.

كان الزمان هو ظهر يوم الأربعاء 31 مايو/ أيار 1972، وأما الضيف فهو الماريشال بافل فيدوروفيتش باتيتسكي، قائد قوات الدفاع الجوي، والنائب الأول لرئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة السوفياتية. تقدم الماريشال بخطوات نشيطة نحو مدخل القصر، ومن ورائه تبعه السفير السوفياتي في مصر فلاديمير فينوغرادوف، ثم الجنرال فاسيلي لاشنكو كبير الخبراء السوفيات في الجيش المصري. وسار الوفد في ردهات القصر الباذخ الذي بناه الخديوي إسماعيل لينافس قصور ملوك أوروبا، حتى وصلوا إلى صالون قناة السويس الفخم حيث قاعة مكتب رئيس الجمهورية. كان الرئيس محمد أنور السادات ينتظرهم جالساً خلف مكتبه، فلما دخلوا قام من مكانه مرحّباً بهم، قائلاً بصوته الغليظ وهو يمطط الكلمات ويضغط على الحروف: «أهلاً وسهلاً، يا مرحب، يا مرحب. شرّفتو مصر». وكان السادات يرتدي هو الآخر بدلته العسكرية المرصعة بالأوسمة، حاملاً على كتفيه رتبة المشير التي تضاهي رتبة «فيلد ماريشال»، ولابساً الوشاح الأخضر المزدان بالنجوم الذهبية. وبعد السلام والترحيب دعا الرئيس المصري ضيوفه إلى صالون المكتب حيث جلس الجميع وهم يتكلفون الابتسام والمجاملات. وجاء أحد الخدم بالقهوة، فترك السادات ضيوفه يرتشفونها، وقام من مكانه في الصالون، وجلس بعيداً عنهم خلف مكتبه.

أنتم عارفين أنا مين؟

نظر السادات إلى الضيوف مليّاًَ، ثم خاطبهم، بصوت أراد أن يكون معبّراً عن جديته وحزمه، فقال: «إنتو عارفين أنا مين؟»¹. ودهش أليكسي المترجم المعتمد في السفارة السوفياتية لهذا السؤال الغريب، لكنه لم يجد بدّاً من القيام بواجبه في الترجمة. وانتقل الاستغراب إلى السامعين. وبادر الماريشال السوفياتي، فأجاب بتهذيب قائلاً: «طبعاً نحن نعرف من تكون. أنت الرئيس السادات».
– غلط. (أجاب السادات بأسلوبه الدرامي، وكأنه يوسف وهبي) غلطان يا مارشال. نظرك ضعيف يا ماريشال!
ساد الصمت لبرهة من الزمن، بعد أن ترجم أليكسي كلمات السادات. ولم يدر أحد ماذا يقول: ما الذي أصاب هذا الرجل؟! هل جنّ السادات؟!.. لكن الرئيس المصري لم يدع ضيوفه يبحثون كثيراً عن إجابة ديبلوماسية حصيفة يردون بها على هذيانه. فبادر قائلاً لضيفه الكبير: «بص لي كويّس. وقل لي: أنا مين؟». ولم يجب أفراد الوفد السوفياتي، بل التفت بعضهم إلى بعض، وعلامات الحيرة والتعجب، بل وبعض ملامح القرف ترتسم على وجوههم.

ارتدى الرئيس المصري بذلته العسكرية المرصّعة بالأوسمة

قال السادات: «طب شوفوا أنا لابس إيه»، وأشار إلى زي «المشير»² الذي كان يرتديه. ولم يجد بافل فيدوروفيتش باتيتسكي ما يقوله لهذا «الفيلد ماريشال»³ المصري، وهو الرجل الذي استحق مرتبته العسكرية، ومعها ميدالية «بطل الإتحاد السوفياتي»، بفعل نجاحاته في قيادة معارك الحرب العالمية الثانية في أوكرانيا ومولدافيا وبروسيا الشرقية وبولندا وبراغ وبرلين، ثم بفعل مساهمته الفاعلة في الحرب الأهلية الصينية التي ساعدت على نصر الشيوعيين، ودفع «الكومينتانغ» باتجاه جزيرة تايوان. نظر الماريشال السوفياتي إلى السادات باستغراب شديد، (ولعل الرجل حَوْقل باللغة الروسية، وقال في نفسه: «اللهم طوّلك يا روح!»). لقد أصبح تهويش الرئيس المصري -وهو يتفاخر بالزي المزيف للماريشال- سخيفاً جداً، وبائساً، وتافهاً، وركيكاً، وصار أداء الرجل أقرب إلى تهريج بهلوان منه إلى وقار رئيس دولة! وتكلم باتيتسكي مجيباً على كلمات الرئيس السادات العجيبة، فقال: «بصراحة أنا لم أفهمك يا سيادة الرئيس. تسألني: من أنت؟ أنت الرئيس السادات. وتسألني: ماذا ترتدي. أظن أنك ترتدي زي الماريشال، إن لم أكن مخطئاً». ولم تكن هذه هي الإجابة الصحيحة التي أراد السادات أن يسمعها، فغمغم قائلاً لضيفه الكبير: «صح، أنا ماريشال بالفعل. بس أنا موش الماريشال أنور السادات». وقرر السادات أن ينهي هذا الامتحان الذي فشل فيه «الأصدقاء الروس»، وأن يجيب بنفسه عمّا أشكل عليهم، فهتف فيهم بنبرة أراد أن تكون ذات صدى مخيف:
ـــ أنا هأقول لكم أنا مين… أنا الماريشال جوزيف ستالين.
ولم يتمالك باتيتسكي نفسه فضحك، ثم قال: «ستالين كيف؟! لقد مات ستالين منذ زمن. وأنت هو أنت!». قال أليكسي المترجم: «سيادتكم هو سيادتكم!».

أنا ستالين.. أنا أذبح وما استناش

وردّ السادات بغلاظة: «غلط!… أنا هو جوزيف ستالين… أنا هو ستالين واقف قدامكم بلحمه وشحمه. واللي يكلمك دلوقتي هو الماريشال ستالين. وانتو تعرفوا ستالين كويّس ما يطلبش لكن يأمر، وما يستناش بس يذبح». وأشار السادات بإصبعه ومرّر طرفه على رقبته. لعله كان يظن أنه بهذه الحركات المسرحية سيثير الرعب في قلب قائد عسكري في الجيش الأحمر! أو أن مجرد ذكر اسم ستالين سيجعل باتيتسكي يرتجف من الجزع! ولم يدر السادات -مثلاً- أن الرجل الجالس أمامه هو الذي قضى بالفعل -لا بالكلام- على رمز دولة ستالين في جانبها المتوحش. فقبل تسعة عشر عاماً، وبالتحديد في يوم 26 يونيو/ حزيران 1953 كان الجنرال بافل فيدوروفيتش باتيتسكي «بشحمه ولحمه» هو الذي تولى القبض على لافرينتي بيريا رئيس الشرطة السرية المرعب في عصر ستالين. وفي يوم 23 ديسمبر/ كانون الأول 1953، كان بافل فيدوروفيتش باتيتسكي «بإصبعه» هو الذي وجٌه زناد مسدسه إلى رأس بيريا، وأطلق على جبينه الرصاص، ثم أحرق جثته، ورمى بقاياها في غابات موسكو.
صاح السادات فجأة: «أنا أأمُرُك أن تنقل طلباتي إلى موسكو. وقل لجماعتك هناك يسرعوا في تنفيذ ما طلبته منهم. عايزهم يجيبوا لي سلاح الردع اللي طلبناه منهم5، ونشف ريقنا في تكرار الطلب، وأنتو ما تسمعوش». واستطرد السادات قائلاً: «أنا لساني اهترأ وأنا أتكلم مع الزعماء السوفيات الثلاثة: بريجنيف (الأمين العام وقتها للحزب الشيوعي السوفياتي) كلّمته مئة مرة. وبادغورني (رئيس الدولة السوفياتية) كلمته مئة مرة. وكوسيغين (رئيس الوزراء السوفياتي) كلمته مئة مرة. قلت لكم: يا ناس، أنا حليفكم الاستراتيجي. الأمريكان يجيبوا لإسرائيل كل طلباتها، وانتو خليتوني وراها خطوة وخطوتين. قلت الكلام ده مئة مرة: يا جماعة، كده موقفنا صعب. وهيأثر علينا وعليكم!.. وانتم ما تسمعوش، وعاملين أذن من طين وأذن من عجين».
صمت السادات قليلاً، ثم قال: «بعدما كلمتكم، وما فهمتونيش. أنا جبت لكم دلوقتي ستالين. وستالين ما يستناش لمّا يأمر، يذبح على طول». وحاول السفير فينوغرادوف تخفيف حالة التوتر التي يبدو عليها السادات، فقال له ضاحكاً: «سيادة الرئيس، وقّعت قلوبنا من الخوف». فردّ عليه السادات وهو يفتعل الجد: «أنا هأخلع قلوبكم، إذا ما أخذتش منكم اللي أنا عايزه من السلاح. بلّغ موسكو بكل اللي سمعته دلوقتي مني». وأجاب فينوغرادوف: «بالطبع، سأعلمهم بكل كلمة قلتها».
وانتهى الموعد مع الرئيس محمد أنور «ستالين»، وخرج الماريشال باتيتسكي من قصر عابدين، وهو يلعن الساعة التي وطئت فيها قدمه أرضاًَ يحكمها المجانين.

هوامش:

1ــ نشر الكاتب المصري الراحل محمد حسنين هيكل وقائع هذا الحوار بين السادات والماريشال باتيتسكي في سنة 1977، وكان السادات ما زال حيّاً يومها يحكم مصر، ولم يكذّب الرئيس المصري الراحل ما نقله هيكل عنه. وقد روى السادات بنفسه للصحافي المصري الشهير وقائع ما حصل معه، في ظهر يوم الأربعاء 31 مايو 1972. وكان حاضراً وشاهداً على هذا الحديث وزير الحربية المصري الفريق أول محمد أحمد صادق (1917 – 1991). وقد أعاد هيكل نشر تفاصيل هذه القصة العجيبة في الصفحات 75 حتى 79 من كتابه «نهايات طرق: العربي التائه 2001»، الصادر عن الدار المصرية للنشر العربي والدولي، الطبعة الأولى يناير 2002.
2ــ ما زال كثير من الحكام العرب (ملوكاً أو رؤساء) مفتونين جداً بزي الماريشال. وكان السادات لا ينزع من تحت إبطه «عصا الماريشالية» حتى وهو في لباسه المدني. ومن العجب أنّ الحكام العرب لا يتواضعون أبداً أو يتنازلون رتبة واحدة عن مرتبة «الفيلد ماريشال»، وكأنهم قادوا معارك الحرب العالمية مع جوكوف ورومل ومونتغمري… ولعل بعضهم يحسب أنه إذا لبس هذا الزي، فهو سيصبح «فيلد ماريشال» بالفعل! ومن الطريف أن بعض أولئك الحكام كان في الأصل مجرد شاويش في اليمن، أو بكباشي في مصر، أو عقيد في ليبيا ثم صار بقفزة واحدة ماريشالاً، وآخرون تدربوا سنة واحدة في كلية سانت هيرست العسكرية الملكية ثم تخرجوا بعدها مباشرة ماريشالات في الأردن والسعودية. وأظرف من كل هؤلاء جميعاً من أصبح «مهيباًَ ركناً»، وقاد حروباً مدمرة دون أن يدرس في الأكاديميات العسكرية حصة واحدة، أو من كان طبيباًَ وصار -بقدرة الرحمن- فريقاًَ.
3ــ كان السادات معجباً بالنازيين الألمان. وفي سنة 1942 ألقي عليه القبض من طرف المخابرات البريطانية، واتهم الضابط المصري الشاب بأنه يتعامل مع الألمان. وبعد سنوات اعترف السادات بهذه التهمة، وحينما أصبح رئيساً للجمهورية نشر قصة علاقته مع النازيين في كتابه «البحث عن الذات». ويحاول السادات في ذلك الكتاب الذي نشره باللغات العربية والأجنبية سنة 1978، أن يقنع قراءه بأن تعامله مع الألمان كان يقصد من خلاله عقد معاهدة تعلن استقلال مصر، ويوقّعها من الجانبين: الملازم أنور السادات والفيلد ماريشال إرفين روميل. لكن الرئيس المصري لا يوضح للقراء جيداً كيف يمكن لملازم في جيش بلاد محتلة أن يعقد اتفاقية استقلال مع فيلد ماريشال نازي!
4ــ عندما سمع هنري كيسنجر هذه المسرحية التي مثّلها وألفها وأخرجها السادات، وسمع أيضاً كثيراً من التهويش الذي كان يحبّ الرئيس المصري أن يفتعله، لم يجد وزير الخارجية الأميركي ما يقوله في إحدى المحاضرات التي ألقاها في واشنطن عام 1972، سوى أنّ الرئيس المصري لا يصلح إلا لكي يلعب دور «مهرج سياسي».
5ــ للأمانة، فإن ضيق السادات من تلكؤ القادة السوفيات في تنفيذ ما يطلبه جنرالات الجيش المصري من صفقات السلاح، كان محقاً. فقد أخّر السوفيات توريد صفقات طلبتها مصر منذ سنوات، وبعضها طُلِب أيام قيادة عبد المنعم رياض لرئاسة الأركان، أي قبل خمس سنوات. وكان التأخير ناتجاً عن أسباب كثيرة بعضها أن العرب لا يريدون أن يدفعوا ما يحبون اقتناءه من أسلحة الاتحاد السوفياتي. وأما ما كان يقصده السادات من كلامه عن «سلاح الردع»، فالأرجح أنه يقصد الطائرة القاذفة المقاتلة بعيدة المدى «توبوليف 22»، وهي أحدث ما صنعته موسكو في ذلك الوقت. ولم يكن السوفيات راغبين في أن يمنحوا هذه الطائرة الجديدة، بعد تجارب قاسية هرب فيها طيارون عرب بالطائرات السوفياتية نحو إسرائيل. ومنحوا المعسكر الغربي بالمجان أسرار التكنولوجيا السوفياتية.

الاخبار

You may also like

Killer Kate!

Kate attends her estranged sister’s bachelorette party at