أوسلو: صفحةٌ طوِيت.. القدس حارقة ومحرقة .

أوسلو: صفحةٌ طوِيت.. القدس حارقة ومحرقة .

- ‎فيالتغطية الإخبارية
97

كتب كمال خلف الطويل : لقرنٍ من الزمان والمسألة الفلسطينية تنظم إيقاع حركة قوى الاقليم بتحديدْ , ومحركات عالمي العرب والاسلام من بعده , وعلاقة القوى الكونية بهما أسلباً كانت أم إيجابا .. ذلك أن فلسطين تختزل , أرضاً وشعباً , كل قضايا البشرية: شرق وغرب .. شمال وجنوب .. صهيونية وعروبة .. مقدسات وتدنيس .. أساطير وتراث .. احتلال وتحرير .. فصل عنصري وانعتاق .. إحلال استيطاني ودحر ؛ ولأنها كذلك فهي من نوع القضايا التي تتكسّر فيها النصال على النصال , ولا يستطيع معها باغٍ أو محتل , مستسلم أو مفرِّط , متواطئ أو خائن إنزالها عن عُلياء الفارقية الى سويّة العاديّة , ولا دفعها من منزلة المركزية الى زاوية الطرَفية , ولا “تسويتها” بما يكفل , واقعاً , محقها وإخراجها من التداول .. حتى لو لاح وكأن أحوال الأمة قد جرفت المنطقة , ومعها القضية , إلى حافة جُرفٍ ليس من بعدها إلا سقر.

والشاهد أن الحرب الأهلية العربية المسلحة , والمتشابكةُ أطرافها مع رعاةٍ اقليميين ودوليين ,وبصراعاتهم البينية , تملك ذخراً من الدواعي والأسباب ليس من بينها الخلاف على فلسطين , حتى برغم ما بدا من وهن الحماس لها لا لشيء إلا لفيض أثقال فواجع تلك الحرب الطاحنة على الوجدان والذهن الجمعييَن العربييَن – ولحينٍ لم ينقضِ بعد – لكن الذاكرة الجمعية نجت من اّثار غائلتها وحافظت على تماسك بنيانها , وإنْ بتفاوتٍ جيليٍ ومناطقيّ.

ومنذ انتصاف القرن المنصرم والولايات المتحدة قد رفعت مَن على صورتها , كياناً إحلالياً استيطانياً مستعمِراً: قل اسرائيل , من مرتبة الوليد المشكوك في نموّه بأمان – عشيّة 1948 – إلى خانة الابن المارق , لكنه المبرهن عن جدارة – غداة 1956 – الى عتبة الحليف جونيور المعوَّل عليه – إثر 1967 – فصارت تعتبرها لا امتداداً نسيجياً متقدماً لها في المنطقة فحسب بل ووظيفياً بامتياز , اشتغل لحسابها معتمَداً اقليمياً أول لا يدانيه مَن سواه من وكلاء , وخاض لصالحها وصالحه حروب 1982 و2006 و2009 و2012 و2014 , وفشل في تحقيق الهدف السياسي المرجوّ لأيٍ منها , بامتياز. عبر ذينك العقدين تنامى قلق الحليف الأكبر من تناقص قدرة جونيوره المتسارع , بل ويكاد قد وصل الى استخلاص نتيجةٍ مؤدّاها أن “الوظيفية” قد أفَلت وأنْ لا مندوحة عن أن ينصرف الجهد إلى تأمين “النسيجية” من مفاعيل الرفض , سيّما واللحظة التاريخية سانحة: احتراب العرب .. أو هكذا الظنّ.

ما الذي ابتغته المؤسسة الأمريكية الحاكمة , وما فتئت , من شروطٍ لهذا التأمين ؟ “إنهاء الصراع” , أي نبذ الفلسطينيين بخصوص , والعرب بعموم , للسردية الفلسطينية – العربية عن صراع قرن , وتبني السردية الصهيو- أطلسية ومقتضاها الاعتراف ب”حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره على أرضه التاريخية” (وهو عملياً تعريف الصهيوني , أياً كان دينه أو كانت جنسيته) .. أي الاستسلام ليهودية الدولة بما هي إسقاطٌ لحق العودة , والرضا بفتات جغرافيا لا يعدو كونه معزَلَ بشر.

والطامّة أن “نخبةً” مهيمنةً من السياسية الفلسطينية قد جنح الى سبيل تلبية دفتر الشروط الأمريكي بالقِطعة , وبأمل أن يكتفي صاحبه بما يكفل سِتر عورة طالب القُرب. نمت بذور ذلك النهج غداة حرب 1973 , تحت شعار الدولة المستقلة بدلاً من دحر الاحتلال ومفرزاته , ثم استطال عشبها مع مدريد- 1991 , وبالأخص في ظلّ أوسلو- 1993 , وليُحشَر الشعب الفلسطيني مذّاك في منعرجٍ زلِقٍ وصل به ومعه إلى حائط مسدود شيّدته أيادي تلك “النخبة”. هي الاّن قد غدت , وبفعل راعيها ومرجعها الأمريكي وامتداده الاسرائيلي , وارتضائها الامتطاء منهما, خِرقةً باليةً نسبةً لما تنطّعت فيه وتنطّحت إليه.

كل هذا النهج .. كلّه .. سقط , بتقادم الفشل أولاً , ثم بلبطة راعي بقرْ مضروبٍ بجنون بقرْ.

ما الذي دفع واشنطن لاختيار هذه اللحظة كي تعترف بالقدس عاصمة لجونيورها ؟ تهيّب سلطة رام الله من المضيّ حتى خط النهاية تسليماً بخريطة “اليمين البديل” الأمريكي ل”الدولة الفلسطينية”, وببساطةْ لاستحاليته , فضلاً عن هزالها حتى بمقاييسها المتواضعة.

اعترضت دولة الأمن القومي الأمريكية – لا بل ومنظومة الأمن الاسرائيلية – , ناهيك بحلفاء الناتو , على توقيت اليمين إياه خشيةً من انفلات ردود فعلٍ تحوّل المكسب خسارةً مضاعفة , فاستقوى الأخير بعموم الكونجرس , حصن الجونيور وملاذه , وتشبّث.

لا يدرك ترامب أن ما يبدو على سطح المنطقة من “مواتْ” خادعْ , وأن حلفاءه “الشباب” في الاقليم خوّافون بمقدار ماهم توّاقون وأكثر , وأن تحويله الأنظار عن إطباق دولة الأمن القومي على خُنُقه – بشبهة الخيانة – عبر الهروب صهيونياً إلى أمام – ليكفل إرخاء قبضتها – هو محض وهمٍ عابر … وأن فِعلته حقنةٌ منشّطة لتناسل جهادياتٍ كونية تقرأُ فيها فرنجيةً صائلة , ونقطة تلاقٍ لقوىً تُفرّقها كثيرات لكّن القدس تجمَع … وأن إرهاصات العامين المنصرمين (منذ اكتوبر 2015) الفلسطينية واضحة الدلالة في أن الأوار وشيك الاشتعال.

ليس أمام سلطة رام الله إلا أن تنزاح من درب شعب يُحسن خوض عصيانٍ مدنيٍ سلميٍ شاملٍ ومستدامْ (كانت بروفته الناجحة أزمة بوابات الحرم) , وهو الكفيل بوضع المحتل على سكّة دحر احتلاله وقبع استيطانه دون قيد أو شرط.

كل نخب السياسية الفلسطينية هي اليوم أمام امتحان جدارة التاريخ , فكما فلسطين تختزل القضايا فالقدس تختصر ساحاتها لما يتكثف فيها ماهو فلسطيني وعربي ومسلم ومسيحي وعالمثالثي وانساني وحقوقي , ولما يأتلف في حومتها من وطني وقومي وإسلامي , ولما ترمز إليه من سوابق نزال مع غزاةٍ بَغَوا وكنَسهم محرروها.

كلمة أخيرة, إلى الرسمية العربية أقول: دعكم من اللعب بالقدس ؛ إنها محرِقة وحارقة.

You may also like

ريال مدريد إلى باريس: مبابي أو لا أحد!

طموحات بيريز تُبنى على أنقاض باريس ! ينتظر