طبقها علماء على “حلزون بحري”.. هل يمكن أن نرى “زراعة الذاكرة” في البشر؟!

طبقها علماء على “حلزون بحري”.. هل يمكن أن نرى “زراعة الذاكرة” في البشر؟!

- ‎فيصحة ورشاقة
41

كلما بدت فكرة تقنيَّة، أو علمية أو بشرية مستحيلة؛ سارع كُتاب الخيال العلمي إلى تناولها، ومعالجتها في أعمالهم الروائية بما أنها تحمل صبغة مستقبلية، قد ينتظر العالم الوصول إليها بمرور الوقت ونموّ التطور البشري، وهو ما حدث بالفعل مع أغلب ما كان يسمى مستحيلات علمية بداية من التنبؤ بالهبوط على سطح القمر في الأربعينيات إلى تقنيات الاتصالات المرئية في السيتينيات وحتى الروبوتات فائقة الذكاء.

وفي العقد الأخير شهد العالم بعض الطفرات المتقدّمة في مجالاتٍ مختلفة، حملت انتصارات صغيرة وأخرى كبيرة في المجالات الطبية مثل عمليات الطباعة ثلاثية الأبعاد لبعض أعضاء وأطراف الجسد، ومعالجة الأمراض عن طريق التعديل الوراثي وزراعة الوجه الكاملة، ومن بين التقنيات الخيالية التي رآها البشر منذ فترات طويلة كانت تلك المتعلقة بالذاكرة البشرية وقراءتها وانتقالها، والتي رأيناها مركزًا لأحداث أفلام خيالية مثل inception، ولكن مؤخرًا نشرت العديد من الدوريات العلمية والصحافية تقارير عن نجاح أول عملية لزراعة خلايا الذاكرة على حيوان «حلزون».

الكائن البطيء.. الذي عبر إلى المستقبل قبل الإنسان
في منتصف مايو (آيار) من العام الحالي 2018 نشر فريق طبي بحثي في علم الأعصاب وعلم وظائف الأعضاء بجامعة «ولاية كاليفورنيا» الأمريكية بحثًا يتضمَّن نتائج إيجابية لعملية نقل ذاكرة من حلزون بحري وزراعتها في حلزون آخر عن طريق الحقن المجهري لما يعرف في علم الأعصاب بـ«RNA أو الحمض النووي الريبي» والذي يمكنه أن يحمل الكود الخلوي للجينات في بعض الكائنات مثل الفيروسات.

تلك العملية المعقدة تمت بعد أن تم تدريب أحد الحلزونات على نقل إيقاع خاص من الشحنات الكهربائية خلال خلاياه العصبية، بحيث يشكّل لدى الحلزون نوعًا من «الذاكرة» يستطيع أن يستجيب لها الكائن البحري ويمكن قياسها. بعدها قام الفريق بنقل خلايا «RNA» الجينية إلى حلزون بحري آخر لم يتم إعداد أي ذاكرة له، بهدف دراسة وفهم ما يسمى في علم الأعصاب بـ«الإنجرام Engram» وهو الأثر الجسدي لتخزين الذاكرة، أي استقراء تغيرات الذاكرة ومخازنها في الأدمغة.

كذلك بنى الفريق البحثي بقيادة البروفيسور ديفيد جلانزمان بحثهم على كشف بحثي سابق تمكن من خلاله فريق علمي آخر من إثبات أن الذاكرة المفقودة يمكن استعادتها من خلال استخدام أحد المكونات المُعدلة جينيًا، كما أن تلك المادة أو العنصر المُعدل جينيًا يمكنه أن يساهم في تشكيل ذاكرة جديدة طويلة المدى.

الجدير بالذكر أن تلك الأبحاث لا تزال جميعها في إطار التجريب على عنصر أو كائن أساسي واحد هو الحلزون البحري أو ما يعرف علميا بـ «Aplysia»، وبعدما نشر الفريق العلمي هذا الكشف استطاع إثبات –بالقراءات الأولية- انتقال الذاكرة من حلزون إلى آخر بعدما انتقلت كل ردود الأفعال المخزنة في ذاكرة الحلزون الأول إلى الحلزون الثاني الذي لم تُشّكل له أيه ذاكرة، ولكن بحسب تصريحات «جلانزمان» فإن التجربة لا تزال تحتاج إلى الكثير من المتابعة.

البعض يرد: «ليس الأمر كما يبدو»
في سياق تناول موقع صحيفة الجارديان البريطانية للبحث الذي اعتبره البعض واحدًا من أهم الخطوات الأولية في تطور أبحاث علم الأعصاب؛ عرضت الجريدة في مقالها المنشور بعنوان «العلماء يزرعون ذاكرة في حلزون باستخدام حقن مادة RNA» وجهة نظر أخرى لبعض المختصين، والمهتمين بدراسة مجال علم الأعصاب وقالت إن الكشف العلمي لم يلق القبول التام في الأوساط العلمية.

وعلق البروفيسور «سيرالين فان» أستاذ الذاكرة بجامعة كارديف البريطانية: «من الجلي أنه هناك المزيد من ما يمكن فعله لاحقًا لتحديد إذا ما كانت تلك التغيرات موضع البحث قوية بما فيه الكفاية، ومعرفة ماهية الآليات الأساسية في عملها، ورغم أن حلزون البحر واحد من أكثر الكائنات مثالية لدراسة علم الأعصاب، ولكن يجب أن نحذر من مقارنة الأمور على الذاكرة البشرية التي تُعّد أكثر تعقيدًا»

جاء هذا بالإضافة إلى تعليق عالم آخر وهو توماس رايان أستاذ علم الذاكرة في كلية «الثالوث المقدس» في دبلن أيرلندا والذي بدا غير مقتنع بهذا الكشف: «هذا يبدو مثيرًا للاهتمام، ولكنني لا أعتقد أنهم قاموا بزراعة ذاكرة؛ هذا العمل يخبرني بأنه حتى السلوكيات الأساسية وأكثرها بساطة تتضمن مفتاحًا للتحكم في الحيوان، ويبدو لي أنه في وسط كل هذا الخليط البروفيسور جلانزمان قد استخرج هذا المفتاح للتحكم، وبينما علم الذاكرة والاعصاب محاط بالعقائد الثابتة حيث نحتاج إلى المزيد من تلك الأفكار التي تتجه إلى منحى مثير للاهتمام ولكنني متشكك بقوة في هذا الكشف».

هل تعني تلك الخطوة شيئًا بالنسبة للإنسان؟
بينما هناك العديد من الأبحاث والتجارب على الذاكرة البشرية ومعالجة أهم أمراضها مثل «ألزهايمر» و«فقدان الذاكرة المؤقت والتام» وبعض أنواع تلف خلايا المخ؛ إلا أن هناك الكثير من خبراء هذا المجال لا يزالون يرون أن الأمر يحتاج إلى الكثير من التجارب والأبحاث في هذا المجال قبل الجزم أن هناك إنجازًا بهذا الحجم، وعلى سبيل المثال نشر «معهد ماساتشوستس الأمريكي للتكنولوجيا» وهو أحد أهم الكيانات المعنية العلمية والتقنية في العالم في 2015 مقالًا عن تطوير تقنية مشابهة لزراعة الذاكرة بواسطة البروفيسور هيودور بيرجر أستاذ علم الهندسة الحيوية وعلم الأعصاب بجامعة جنوب كاليفورنيا.

ويتبنى بيرجر مشروعًا وليدًا لاستعادة الذاكرة وتحسينها عن طريق زراعة جهاز إلكتروني حساس يصحح إشارات المخ المسئولة عن الذاكرة وتحديدًا الذاكرة طويلة المدى، ولكن التجربة حتى اليوم لم تخرج إلى النور بنتائج كاملة، وعلى صعيد تجربة زراعة الذاكرة في الحلزون البحري صرح القائم عليها ديفيد جلانزمان لموقع سي إن إن الأمريكي أنه رغم أن الكشف يبدو مثيرًا إلا أن الحديث عن البشر قد لا يكون قريبًا بدرجة مسلسل

«Westworld» أو فيلم «Eternal sunshine on spotless mind» التي تتخيل التحكم في الذاكرة والوعي بدرجة كبيرة.

ولكن إذا أمكننا أن نعرف أو نعي كيف تتشكل الذكريات «ماديًا» داخل مخ الإنسان سوف يمكننا هذا من فك شيفرة الكثير من أمراض الذاكرة لدى البشر، وإذا تمكننا من معرفة أو تحديد قراءات الإشارات المادية للذاكرة في الإنسان عن طريق تقنية RNA قد يساعد ذلك في إيجاد العلاج لأمراض الذاكرة البشرية.

You may also like

فوائد كسر روتين الحمية !

أكد أخصائيو التغذية فوائد اضطرابات نظم الحمية الغذائية